مناع القطان
150
مباحث في علوم القرآن
يدركون أن الصعوبة التي توجد في القراءة بالمصحف أول الأمر تتحول بالمران بعد فترة قصيرة إلى سهولة تامة . قال البيهقي في شعب الإيمان : « من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ، ولا يخالفهم فيه ، ولا يغير مما كتبوه شيئا ، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا ، وأعظم أمانة منا ، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم » « 1 » تحسين الرسم العثماني كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل ، اعتمادا على السليقة العربية السليمة التي لا تحتاج إلى الشكل بالحركات ولا إلى الإعجام بالنقط ، فلما تطرق إلى اللسان العربي الفساد بكثرة الاختلاط أحس أولوا الأمر بضرورة تحسين كتابة المصحف بالشكل والنقط وغيرهما مما يساعد على القراءة الصحيحة . واختلف العلماء في أول جهد بذل في ذلك السبيل . فيرى كثير منهم أن أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع ضوابط للعربية بأمر علي بن أبي طالب ، ويروى في ذلك أنه سمع قارئا يقرأ قوله تعالى : ( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 3 - التوبة ) فقرأها بجر اللام من كلمة « رسوله » فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال : عز وجه اللّه أن يبرأ من رسوله ، ثم ذهب إلى زياد وإلي البصرة وقال له : قد أجبتك إلى ما سألت ، وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب اللّه ، فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث ، وهنا جد جده ، وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف ، وجعل علامة الكسرة نقطة أسفله ، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف ، وجعل علامة السكون نقطتين .
--> ( 1 ) انظر الإتقان صفحة 167 ج 2 .